أخبار

البرازيل: لولا يفوز بـ «الرابعة» ويوقف انتصارات اليمين

حقق الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فوزاً تاريخياً بولاية رئاسية رابعة، متغلباً على منافسه اليميني، فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق غايير بولسونارو، ليوقف بذلك سلسلة من الانتصارات الانتخابية المتتالية لليمين في أميركا اللاتينية، ويبقي أكبر دول المنطقة سكاناً واقتصاداً خارج المعسكر المحافظ. 

وحصل لولا، الذي يقترب من عامه الـ 81، على نحو 51.8 في المئة من الأصوات، مقابل 48.2 بالمئة لبولسونارو، وفق النتائج الرسمية. ويشكل فوزه أول تمكن فيه مرشح من عكس نتيجة الجولة الأولى في الانتخابات البرازيلية منذ انتهاء الحكم العسكري، كما يعيد اليسار إلى موقعه في مواجهة موجة صعود اليمين التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة.

لكن النتيجة لا تعني انتهاء هذه الموجة، بقدر ما تكشف أن التحول المحافظ لم يتحول إلى اتجاه انتخابي حتمي. فقد انتقلت الرئاسة إلى اليمين في دول عدة، بينها الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا وبيرو، فيما بقيت البرازيل ساحة قادرة على إنتاج نتيجة مختلفة، رغم الانقسام السياسي والاجتماعي الحاد.

لم يكن فوز لولا سهلاً، فقد تصدّر بولسونارو الجولة الأولى، مستفيداً من استياء قطاعات من الناخبين من حزب العمال، بعد سنوات من فضائح الفساد وارتفاع الأسعار، ومن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت قطاعات من المجتمع أكثر تقبلاً للخطاب المحافظ.

وخلال حملته، ركّز لولا على سجله في خفض الفقر وتوسيع الرعاية الاجتماعية، متعهداً بدعم محدودي الدخل وتحسين الخدمات العامة وتقليص ساعات العمل. في المقابل، جعل بولسونارو مكافحة الجريمة والخصخصة وخفض الضرائب محور برنامجه، مقدماً نفسه بديلاً عن سياسات حزب العمال.

ويرى محللون أن ارتفاع نسبة المشاركة مقارنة بالتوقعات ساهم في حسم النتيجة لمصلحة لولا، إلى جانب قدرة حملته على استعادة الناخبين الذين استفادوا من سياساته الاجتماعية في فترتَي حكمه السابقتين.

ومع ذلك، يواجه الرئيس المنتخب هامشاً محدوداً للمناورة، بعدما حقق المحافظون تقدماً كبيراً في الانتخابات التشريعية، مما يضع برنامجه أمام اختبار صعب في البرلمان. كما أن الانقسام الذي ظهر خلال الحملة، بما في ذلك الجدل بشأن تمديد التصويت ساعتين إثر شكاوى من صعوبات النقل، يعكس استمرار الاستقطاب وعدم حسم الصراع السياسي.

رفض بولسونارو الإقرار بالهزيمة، معلناً عزمه المطالبة بإلغاء الانتخابات، اعتراضاً على قرار تمديد الاقتراع. لكن محللين استبعدوا نجاح الطعن، مشيرين إلى أن الفارق الذي تجاوز 4 ملايين صوت يصعب تغييره، فضلاً عن أن حملة بولسونارو نفسها طلبت تمديد التصويت في مناطق شهدت أمطاراً غزيرة.

وفي المقابل، احتفل أنصار لولا في شوارع المدن البرازيلية، فيما توالت تهاني قادة دول من مختلف الاتجاهات السياسية، مرحبين بالنتيجة، ومشيدين بالمسار الديموقراطي. ويمنح الفوز اليسار الإقليمي دفعة سياسية، لكنه لا يضمن استعادة الحكومات التي انتقلت إلى اليمين.

وتبرز أهمية البرازيل في هذا السياق من حجمها الاقتصادي والسكاني، وثقلها الدبلوماسي وعضويتها في مجموعة بريكس، فضلاً عن علاقاتها التجارية الواسعة مع الصين. فموقفها يؤثر في التوازنات الإقليمية وفي قدرة أميركا اللاتينية على تنويع علاقاتها الدولية.

وسيكون التحدي أمام لولا ترجمة فوزه إلى تحسُّن ملموس في الاقتصاد والأمن ومستوى المعيشة، والتعامل مع برلمان يميل إلى المحافظين، فنجاحه في هذه الملفات قد يمنح اليسار نموذجاً قابلاً للاستعادة، فيما سيؤدي تعثره إلى تعزيز حجج القوى اليمينية.

وستكون الانتخابات الرئاسية الأرجنتينية في 2027 محطة مهمة لمراقبة اتجاه المنطقة، مع سعي خافيير ميلي إلى ولاية ثانية. كما تستحق الانتخابات المقبلة في دول أخرى متابعة لمعرفة ما إذا كان فوز لولا بداية لتراجع موجة اليمين، أم استثناءً برازيلياً في مسار لا يزال يتّسم بانقسام واسع.

زر الذهاب إلى الأعلى